6
يوليو
2024
موت بالتجاوز +18
نشر منذ 3 اسابيع - عدد المشاهدات : 101



د.اسماعيل موسى حميدي

وقبر جبر بمكان قفر   وليس قرب قبر جبر قبر

يقال ان اخطار إسم أو فكرة الموت على أذهان المؤمنين يولد الحكمة والورع، فهو يذكر بالآخرة ،على العكس من اخطاره على أهل الكيف والاستئناس فانه ربما يولد اليأس والاحباط ،وهنا سنفترض أنفسنا من المؤمنين كي نتحدث بروية مثيرة عن الموت لحالة شخص (جبر) رحمه الله.(وأطال الله اعماركم).

تفاجأت إحدى العائلات العراقية أثناء زيارتها لأحد ذويها المتوفين بقطع الطريق المؤدي الى مكان  مقبرتهم ،بدفن أحد الاشخاص وسط الطريق "الممر الفرعي الموصل لمقبرة العائلة" ،ما حدا بتجمع الافراد حول القبر الحديث الصنع ،وراح كلامهم يلهج  بما يلي:

-هذا يحجي صدق هيج قاطع الطريق علينا ودافن نفسه وسط الطريق

-انت تحجي صدك هو شعليه غير صوج الدفان

-هذا لازم يتفلش شلون نروح لمقبرتنا

-يمعودين واحد يشوف صاحب المقبرة ويفتهم السالفة

-هو هذا لو بيه خير ما دفنوه هنا

-الله يطيح حظك جبر حتى موت ماعرفت تموت مثل البشر

-عمي كولوا يا الله بدل ماتترحمون على الرجال، مبين هذا واحد فقير

-هذا اذا مكان يندفن بيه ماعنده لعد شلون حاله من كان عايش

-اكيد ساكن بالتجاوز

-يعني عاش بالتجاوز ومات بالتجاوز

-حسبي الله على العراق

وهكذا تم اختيار مكان عشوائي لدفن جبر واصبح ضيف الآخرة بالتجاوز

بعدما عاش متجاوزا على الحياة باكملها ،جبر حتما شخص استوفى كل شروط التعاسة في بلد نصف سكانه متجاوزون في السكن و الكهرباء والقانون ،وهم بانتظار دولة نظام تنصفهم.ولكن جبر وأمثاله لم ينتفضوا او يثوروا في يوم ما ،بل غالبا ما يكتفون بالتذمر في المقاهي ويتوعدون السياسيين الفاسدين في الباصات ويلعنون انفسهم في التجمعات،رغم ان جبر يشارك في الانتخابات وينتخب الفاسد، لانه ابن العشيرة او المحلة او الطائفة .

 جبر يتكرر في كل زمان ومكان وتجده في كل  الدول العربية يتسول ، عاصر كل الطغاة وارتشف من ظلمهم وهو يشكو الحال ويستعطف الاخرين مستعتبا لربه لم خلقه في هذا البلد، فاصبح رهين البؤس والظلم والاضطهاد، فكانت لوعته عظيمه لا تنتهي بزمان ولا بمكان.

لم ينتفض جبر في يوم ما على النظام الظالم الذي اغتصب حقه ولو بكلمة  ولا على رجل الدين الذي استغفل عقله وأوهمه بالخرافة ،ولم يتخل جبر عن عشيرته التي خذلته في فقره ولم تقف معه في مرضه ،لم يهاجر جبر بلده عديم الذوق والكهرباء، لانه وطني والوطنية تسري في عروقه .

 لم يخطر على بال جبر في يوم ما بانه  لقمة صياد يتسابق عليها المصلحون ، وإنه سهم في يد الصيادين يطلق على فريستهم، فمنظمات حقوق الانسان تصوره كل يوم وتعده من رعاياها فتكسب به الاموال ،الفضائيات تلتقي به كل صباح فيكون ثروتها الاعلامية،رجل الدين يجلسه تحت قدميه فيدخل الجنة بنصحه وإرشاده، المرائي يعطيه سلة الغذاء ليصبح ورع زمانه ،والسياسي يعده حجر الزاوية الذي يبني به برنامجه الانتخابي في كل موسم اصلاح.

   دخل جبر الموروث الشعبي وكان بطل الروايات الادبية ،وتحدثت عنه الدواوين الشعرية وانكسرت به خواطر البعيدين ،ذكرته الناس في مجالسها وتحدثوا عن مظلوميته في مواقفهم .

تحدث عنه كل العرب حتى دخل عناوينهم الفكاهية فقالوا عنه (جبر من بطن أمه للقبر) وهي مقولة مشهورة تعود لجبر القديم عندما مر من احدى المقابر وسأل الدفان عن معنى العبارات المكتوبة في مقدمة القبور فقال له الدفان هي ألقاب الموتى واختصاصاتهم في الدنيا ،فقال مقولته الشهيرة للدفان "عندما أموت اكتب على قبري (جبر من بطن أمه للقبر )"لاني لم أعرف شيئا عن ترف الحياة.

تقاعس جبرعلى نفسه فتحمل مأساة نهايته، وكان رهينا لسذاجة عقله الذي  أمّنه بالغباء فاستحمقته الحياة واستحمره المنتفعون.

وأخيرا جبر سيدخل النار ،فقد كذب عليه من قال له بانه ستدخل الجنة ،وخاب رجل الدين الذي نعته بالصابر المحتسب ،بل العكس سيدخل أقاصي النار، لانه قانط ومنزوع الايمان ، فلم يكن له صوت في الحياة وخنع للظالم فاستقوى به،(إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا} (النساء:97.

(الله يرحمك جبر)



صور مرفقة






أخبار متعلقة
مشاركة الخبر
التعليق بالفيس بوك
التعليقات
استطلاع رأى

هل تتوقع أن تساهم التظاهرات بتحسين مستوى الخدمات

14 صوت - 67 %

0 صوت - 0 %

عدد الأصوات : 21

أخبار