![]() |
|
|
16
مارس
2026
|
شبكة الإعلام العراقي… بين روح الاستقلال ومخاطر الإلحاق الإداري
نشر منذ 3 ساعة - عدد المشاهدات : 1824
|
تيمور الشرهاني
يثير القرار الصادر عن مجلس الوزراء والمتعلق بتخفيض رواتب العاملين في
شبكة الإعلام العراقي وربطها بسلم رواتب موظفي الدولة جدلاً واسعاً يتجاوز حدود الأرقام
والجداول المالية، إذ يلامس جوهر السؤال حول طبيعة هذه المؤسسة ودورها في الدولة العراقية:
أهي مؤسسة إعلام عام مستقلة تمثل صوت المجتمع، أم مرفق إداري يُدار بعقلية الدوائر
الحكومية؟
تاريخ تأسيس شبكة الإعلام العراقي يكشف فلسفة واضحة أرادها المشرّع منذ
البداية. وُلِدت الشبكة لتكون منبراً عاماً يعكس تعددية المجتمع العراقي، ويعبّر عن
مصالحه وتنوعه، ويؤدي دوراً إعلامياً مهنياً بعيداً عن القيود البيروقراطية التي تحكم
عمل الإدارات الحكومية. هذه الفلسفة ترسخت بنصوص قانونية صريحة عندما أُقِرّ قانون
شبكة الإعلام العراقي رقم (26) لسنة 2015، الذي منحها شخصية معنوية مستقلة واستقلالاً
مالياً وإدارياً يضمن قدرتها على أداء رسالتها الإعلامية دون وصاية مباشرة.
الاستقلال المالي والإداري ليس تفصيلاً قانونياً عابراً، كونه حجر الأساس
الذي يقوم عليه مفهوم الإعلام العام في الدول التي تسعى لبناء مؤسسات إعلامية رصينة.
التجارب العالمية تقدم نماذج واضحة لمؤسسات إعلام عام تعمل وفق أنظمة خاصة بها، وتحافظ
على مسافة مهنية بينها وبين السلطة التنفيذية، الأمر الذي يمنحها الثقة والقدرة على
مخاطبة المجتمع بموضوعية ومصداقية.
انطلاقاً من هذه الرؤية جرى اعتماد نظام خاص للموارد البشرية داخل شبكة
الإعلام العراقي، ونُظّم سلم رواتب مستقل يتلاءم مع طبيعة العمل الإعلامي الذي يعتمد
على الكفاءة المهنية والقدرة الإبداعية واستقطاب الطاقات المؤهلة. طبيعة المهنة الصحفية
والإنتاج الإعلامي تفرض مرونة في التعاقد وتنوعاً في التخصصات، إذ يعمل الصحفي والمراسل
والمخرج والمنتج والمقدم ضمن بيئة إبداعية تختلف جذرياً عن منظومة الوظيفة الإدارية
التقليدية.
سيما أن قرار ربط رواتب العاملين في الشبكة بسلم رواتب موظفي الدولة يفتح
باباً واسعاً للتساؤل حول المسار الذي يُراد لهذه المؤسسة أن تسلكه. المسألة لا تقف
عند حدود إعادة تنظيم مالي، بل تمس البنية المؤسسية للشبكة، وقد تقود إلى تحويلها تدريجياً
إلى مرفق حكومي يخضع لقواعد الإدارة البيروقراطية، الأمر الذي يتعارض مع فلسفة الإعلام
العام التي نشأت من أجلها.
بيد أن الأبعاد القانونية للقضية تثير بدورها إشكالاً واضحاً، إذ إن القانون
الذي أنشأ الشبكة منحها استقلالاً مالياً وإدارياً ونظاماً خاصاً لإدارة مواردها البشرية.
القاعدة القانونية المستقرة تقضي بأن القرارات التنفيذية لا تستطيع تعديل نصوص القوانين
النافذة أو تغيير جوهر الصلاحيات التي منحها المشرّع لمؤسسة مستقلة. أي تعديل جذري
في طبيعة النظام الإداري أو المالي للشبكة يستلزم مساراً تشريعياً واضحاً يمر عبر مجلس
النواب، ضماناً لاحترام مبدأ سيادة القانون وحماية استقلال المؤسسات العامة.
المشهد إذن يتجاوز حدود الجدل الإداري ليمس مستقبل الإعلام العام في العراق.
بقاءها كمؤسسة مستقلة يعني الحفاظ على مساحة إعلامية تخاطب المجتمع كله وتعبّر عن تنوعه
وتطلعاته. تراجع هذا الاستقلال يفتح الطريق أمام عودة نمط الإعلام الحكومي الذي عرفه
العراقيون في مراحل سابقة، حيث يتحول المنبر الإعلامي إلى صدى للسلطة بدل أن يكون مرآة
للمجتمع.
تجربة العراق مع الإعلام الحكومي تركت آثاراً عميقة في الذاكرة الوطنية،
وجاء تأسيس شبكة الإعلام العراقي خطوة نحو بناء إعلام مهني قادر على خدمة المجتمع والدولة
معاً دون خضوع مباشر لإرادة الحكومة. معالجة أي خلل إداري أو مالي داخل المؤسسة تبقى
أمراً مشروعاً ومطلوباً، غير أن تلك المعالجة تحتاج رؤية إصلاحية تحافظ على روح الاستقلال
التي قامت عليها الشبكة.
تحويل الشبكة إلى دائرة حكومية قد يحقق وفراً مالياً محدوداً على المدى
القريب، غير أن كلفة ذلك على المدى البعيد قد تكون أكبر بكثير، إذ يخسر العراق إحدى
أهم أدواته لبناء إعلام عام مهني يعكس نبض المجتمع ويعزز الثقة بالمؤسسات الوطنية.
هذه القضية تضع صناع القرار أمام سؤال عميق يتعلق بشكل الدولة الحديثة
التي يسعى العراق إلى ترسيخها: دولة تؤمن بمؤسسات مستقلة قادرة على خدمة المجتمع، أم
منظومة إدارية تذوب فيها تلك المؤسسات داخل الجهاز الحكومي.
الإجابة عن هذا السؤال سترسم ملامح المرحلة المقبلة، وتحدد مصير شبكة
الإعلام العراقي، كما ستكشف المسار الذي سيسلكه الإعلام العام في العراق خلال السنوات
القادمة.
