24
يونيو
2018
أمي لم تطأطيء رأسها !!
نشر منذ 3 شهر - عدد المشاهدات : 40

بعد إجتياح القوات الإيرانية هور الحويزة عام 1985وإقترابها من مدينة القرنة التي أصبحت مهددة بالسقوط في أي لحظة ..بقي لوائنا صامداً وهو يقاتل في جيب ضيق بين منطقة (مزيرعة) ..وجسر القرنة ..كانت خسائرنا كبيرة ..والجنود كان يقاتلون في أماكنهم حتى الموت ..فيُقتلون ويموتون بالجملة من شدة القصف الكثيف والإشتباك القريب ..وأما الجرحى فبقوا دون إخلاء حتى ماتوا في الخنادق ..وحتى أن آمر اللواء أخبرنا أنه ليس هناك قوات ساندة قريبة تفك الحصار عنا ...ويجب علينا القتال حتى الموت ولو بالسلاح الأبيض ..! وقد تناقلت بعض الإذاعات خبر محاصرتنا هناك وإن لوائنا قد أبيد أغلب مقاتليه وسيستسلم البقية منهم إلى الجيش الإيراني عن قريب ..ولاأدري كيف وصل الخبر إلى أهلي في كربلاء ..!

في اليوم الرابع ..وكان القصف على أشده ورائحة الموت تلف المكان جاء سائق إسعاف وهو يسأل عن إسمي ..فأرشدوه إلى الساتر الذي نقاتل دونه ..ولما وصل إلي وأنا في الخندق وكنت لاأستطيع أن أفتح جفني من شدة التراب والدخان والسهر..قال : أنت عبدالهادي من كربلاء ..قلت نعم ..قال ..والدتك تنتظرك منذ ليلة أمس عند رأس الجسر عبر النهر من جهة القرنة ... وهي لم تترك أحداً يمر بها إلاّ توسلّت به وحمّلته أمانة أن يصل إليك ويخبرها عن وضعك ..لإن هناك أخبار وصلتهم تقول بإنك جريح وأخبار أخرى تقول بإنك قتيل ولازالت جثتك في الأرض الحرام ..ويجب أن تسرع إليها لتطمأن عليك ..!!

عند سماعي هذا الخبر ..لاأستطيع أن أصف لكم الذهول والصدمة التي أصابتني تلك اللحظة ..أمي تنتظر هناك منذ ليلة أمس ..وهذا القصف المدوي والموت وزعيق المدافع ..كيف جائت من كربلاء إلى الجنوب ...كيف وصلت ..من الذي أتى بها ..كيف ..؟!

نسيت نفسي..لم أعبأ بالقصف أو القنص وأزيز الرصاص المستمر..خرجت من الخندق وركضت بإتجاه ملجأ آمر سريتنا ..أخبرته بالقصة ..فرأيت ثمة دمعة نزلت على خديه ..وسمح لي بالإنصراف والوصول إلى أمي لإطمئنها بإني لازلت حياً .. كانت المسافة بين الجسر والساتر حوالي 800 متراً ..ركضت تلك المسافة بكل قوة دون شعور ..ولم أتذكر بإني ركضت في حياتي كلها مثل تلك المسافة رغم ثقل الملابس والخوذة والبندقية !!.. أردت العبور على الجسر ..فمنعتني مفرزة الإستخبارات هناك ..وقالوا لي : عليك أن تعبر عن طريق الزورق إلى الضفة الأخرى ..ولكنني جازفت ..وركضت فوق الجسر الذي كانت قذائف المدفعية والراجمات الإيرانية تتساقط كالمطر على يمينه ويساره حتى ملأته الثقوب والفجوات وراح يترنح ويهتز من كل مكان كأنه يهوى في النهر ..ولم أنس تلك اللحظة ..اللحظة التي لمحت فيها سوادة من الطرف الآخر لنهر دجلة وهي ترفع ذراعيها تارة إلى السماء وتارة نحوى ....كانت أمي تحتمي من القصف مع بعض الجنود وسط حفرة دائرية كبيرة محاطة بأكياس من الرمل وقد غمرها التراب والدخان ...و لما لمحتني قادماً من بعيد وقفت على طولها ..وأرادت أن تتلقاني فوق الجسر ولكن الجنود منعوها وهم يصيحون بها : خاله ..أبقي في مكانك ....القصف مستمر والشضايا تتطاير في كل مكان... وإبنك هاهو قد وصل ..أنزلي رأسك ..لاتموتين ..!؟؟

ولكن أمي لم تطأطيء رأسها ..وبقيت واقفة كالشبح مسمرة عينيها نحوي ..وأخيراً إلتقينا ...كانت الدموع هي الكلام بيننا لمدة نصف ساعة وأنا في حجرها شعرت كأني رجعت طفلاً صغيراً ..نظرت بوجهها كان غمامة من تراب ودخان ..وعيناها شاحبتان متورمتان من السهر والتعب والقلق الذي أضناها .. أخذت أعاتبها وأنا أبكي : لماذا أتيت من كربلاء وقطعت كل هذا الطريق الخطر وأنت مريضة ....هذه حرب وأنت تعرفين هذا هو مصير الجنود في الحرب ياأمي !؟....فقالت ..صحيح هذه حرب ..ولكنني أم ..هل تعرفون ماذا يعني لكم الأم ..!؟؟ فرأيت الجنود القريبين منا يبكون لكلامها ...!

وبعد أن إطمئنت على سلامتي مؤقتاً ..كان آخر حديث بيننا في ذلك اللقاء القصير قالت لي أمي: أنا الآن قد عاد لي نصف قلبي ..وأما النصف الآخر فقد إحترق وأنتهى في الطريق ...قلت سلم الله قلبك ..خيراً أمي لماذا أحترق نصف قلبك في الطريق ..؟

قالت ..لكثرة مامرت بنا جنائز الشهداء الملفوفة بعلم العراق وهي تتجه صوب المدن البعيدة ..كل جنازة تمر هي لاشك ستثكل أماً مثلي .. وكلما وقعت عيني على جنازة شهيد أشعر بنوبة قوية تضربني كطعنة السكين في صدري ..فتدمي وتتلف جزءاً من قلبي.!

وفعلاً ..وبعد 3 سنوات من تلك الحادثة عام 1988 توفيت والدتي في مستشفى الحسيني في كربلاء قسم الأنعاش بسبب تلف كل صمامات قلبها ..وتوقف قلبها المتعب إلى الأبد ..!

اللهم ارحم جميع أمهاتنا.


صور مرفقة






أخبار متعلقة
مشاركة الخبر
التعليق بالفيس بوك
التعليقات
استطلاع رأى

هل تتوقع أن تساهم التظاهرات بتحسين مستوى الخدمات

13 صوت - 72 %

0 صوت - 0 %

عدد الأصوات : 18

أخبار