تيمور الشرهاني
تختبئ خلف أرقام العملات حكايات تتجاوز حدود البيع والشراء، وتتداخل عندها مسؤولية الدولة عن تأمين مواردها مع حق المواطن في راتب مستقر وحياة كريمة. فالدولار الذي يظهر رقماً في النشرات المصرفية قد يتحول فارق سعره إلى مصدر إيراد للخزينة، أو مجال لتحقيق الأرباح لبعض المتعاملين، تبعاً للسياسة المالية والنقدية والآليات التي تضبط حركة السوق.
وتتحدد المضاربة بالعملات من خلال شراء الدولار أو غيره من العملات وإعادة بيعه سعياً إلى تحقيق الربح من تغير الأسعار أو الفارق بين سعري الشراء والبيع. فإذا اشترى متعامل مليون دولار بسعر ألف وخمسمئة دينار للدولار الواحد، ثم باعها بسعر ألف وخمسمئة وعشرين ديناراً، فإن الفارق الحسابي يبلغ عشرين مليون دينار قبل احتساب النفقات والعمولات. وهذا المثال يوضح كيف تتحول فروق محدودة في سعر الوحدة النقدية إلى مبالغ كبيرة مع اتساع حجم التداول، مع ضرورة التمييز بين الربح التجاري المشروع وأي مخالفة للقوانين والتعليمات المصرفية.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم حديث رئيس الوزراء علي الزيدي عن تحمّل مسؤولية قرار سعر الصرف، والسعي إلى تحصيل فرق العملة من المضاربين بدلاً من تحميل المواطن كلفته مباشرة، باعتباره طرحاً يضع مسؤولية إدارة السياسة النقدية والمالية على عاتق الحكومة، ويفتح الباب أمام نقاش جاد بشأن كيفية تأمين الإيرادات واستدامة الإنفاق العام.
إن معالجة العجز المالي وتأمين رواتب الموظفين والمتقاعدين تحتاج إلى حلول عملية قابلة للتنفيذ، وحسابات دقيقة تستند إلى حجم الإيرادات والنفقات والالتزامات الشهرية للدولة. ومن حق الحكومة أن تبحث عن موارد مستدامة، وأن تراجع أوجه الإنفاق، وأن تعمل على الحد من الهدر والتجاوزات، شريطة أن تكون إجراءاتها واضحة الأثر، وأن تخضع نتائجها للرقابة والمساءلة.
ومن يطرح بديلاً عن سياسة سعر الصرف، فليقدّم خطة مالية متكاملة توضح مصادر الإيرادات البديلة، وحجم الأموال المتوقع توفيرها، والمدة اللازمة لتحقيق النتائج، والضمانات التي تكفل استمرار دفع الرواتب في مواعيدها. فالحلول الاقتصادية لا تُبنى على الاعتراض المجرد، وإنما على أرقام موثقة ومسارات تنفيذ محددة، توازن بين متطلبات الخزينة وحقوق المواطنين.
ويقتضي هذا النقاش وضع جميع الخيارات المالية أمام الرأي العام، بما فيها تأخر صرف الرواتب إلى فترات تبلغ خمسة وأربعين يوماً، والادخار الإجباري، واستقطاع نسب تصل إلى خمسة وثلاثين بالمئة من رواتب الموظفين، وهي إجراءات ينبغي التحقق من طبيعتها ومدى تطبيقها وآثارها قبل اعتمادها أساساً للمقارنة. فالموظف الذي ينتظر راتبه لإعالة أسرته يحتاج إلى سياسة تضمن انتظام الاستحقاقات، ولا تحوّل الأزمات المالية المتراكمة إلى أعباء متجددة على دخله المحدود.
ومن هنا، فإن أي نقاش مسؤول بشأن سعر الصرف يجب أن يتناول البدائل الواقعية لتأمين الرواتب وسد النفقات، ومنها مراجعة الإنفاق الحكومي، وتعزيز تحصيل الإيرادات غير النفطية، ومكافحة التهرب الضريبي والجمركي، وإحكام الرقابة على المنافذ الحدودية، ومراجعة الإعفاءات غير المبررة، واسترداد الأموال العامة وفق الإجراءات القانونية، وترشيد العقود والمشتريات، وتوجيه الموارد نحو الالتزامات الأساسية. وتبقى جدوى كل مسار مرتبطة بحجم الأموال التي يمكن تحصيلها فعلياً، وكلفة تطبيقه، والوقت الذي يحتاج إليه حتى تظهر نتائجه.
وفي المقابل، لا يجوز افتراض أن كل من يعترض على قرار سعر الصرف يدافع عن المضاربين، كما لا يصح اعتبار كل فارق بين سعري شراء الدولار وبيعه ربحاً صافياً لهذه الفئة. فالحكم الاقتصادي السليم يتطلب كشف آلية التسعير، وتحديد المستفيدين من الفارق، وبيان ما يدخل إلى الخزينة العامة، وما تتحمله المصارف والمتعاملون، وما قد ينتقل من كلفة إلى الأسواق والمستهلكين. وبهذه المعلومات وحدها يمكن التمييز بين إجراء يحقق إيراداً عاماً حقيقياً، وإجراء تتوزع آثاره على أطراف متعددة.
إن الدفاع عن استدامة الرواتب لا ينفصل عن الدفاع عن القدرة الشرائية للمواطن، كما أن حماية المال العام تقتضي منع استغلال اضطراب السوق لتحقيق مكاسب غير مشروعة. والمطلوب سياسة مالية تعالج جذور الاختلال، وتضمن انتظام الاستحقاقات، وتمنح الأسواق وضوحاً في القواعد، وتضع نتائج القرارات أمام رقابة المؤسسات المختصة والرأي العام.
إن السؤال الذي يستحق أن يتصدر النقاش الوطني هو: ما الخطة القابلة للتطبيق التي تؤمّن رواتب الموظفين والمتقاعدين، وتسد النفقات العامة، وتحد من الهدر، وتحمي أصحاب الدخول المحدودة؟ فليقدّم المعترضون بدائلهم بالأرقام والجداول الزمنية ومصادر التمويل، ولتضع الحكومة بدورها تفاصيل قرارها ونتائجه المتوقعة أمام الناس. عندها يصبح الحوار منافسة في تقديم الحلول، لا سجالاً تتقاذفه الاتهامات.
فاستدامة الرواتب مسؤولية حكومية، وحماية المواطن واجب عام، وصيانة المال العام ضرورة لا تقبل التأجيل. والقرار الاقتصادي ينبغي أن يُناقش على أساس نتائجه الفعلية، ومدى قدرته على تأمين موارد الدولة من دون تحميل المواطنين أعباء لا تحتملها دخولهم، مع ضمان ألا تتحول حماية الخزينة إلى حماية لمصالح المضاربين أو أي جهة تستفيد من اختلالات السوق.




التعليقات