من بين أزقة كربلاء التي تعلّمت أن تحفظ أسماء أبنائها كما تُحفظ القصائد في صدور الرواة، خرج فتى من أرض قضاء الحسينية، من ناحية الإبراهيمية على وجه التحديد، يحمل في قلبه قلق السؤال، وفي روحه نزوعاً لا يهدأ نحو الكلمة. هناك، في عام 1970، أبصر تيمور خضير طارش الشرهاني النور، الاسم الذي عرفته الأوساط الصحفية والإعلامية لاحقاً بعنوانه الأشهر: تيمور الشرهاني، المعروف بين محبيه بـ”أبي جيهان”.
لم تكن طفولته صفحات عابرة في دفتر الأيام، فقد تشكّلت ملامحها بين بيئة كربلائية عُرفت بأصالتها وصلابة رجالها، فكبر الفتى وهو يحمل حساً مختلفاً، يستمع إلى الناس أكثر مما يتحدث، ويراقب الحياة بعين تبحث عما يختبئ خلف الوجوه والكلمات.
منذ سنواته الأولى ظهرت لديه ميول متعددة، فاقترب من الرسم والنحت والخط، وأخذته الكلمة إلى عالم الصحافة، واستهوته الإذاعة وفنون الإلقاء، ثم وجد في التصميم والفنون البصرية مساحة أخرى لصناعة الجمال. بدا كأنه يسير وفي داخله أكثر من روح مبدعة، وأكثر من نافذة تطل على الحياة.
في أواخر تسعينيات القرن الماضي، كانت البلاد تعيش زمناً شديد الوطأة، زمناً تُحسب فيه الأنفاس وتُراقب فيه الظلال قبل الخطوات. دخل الشرهاني ميدان الصحافة في ظروف لم تكن تسمح لكثيرين أن يرفعوا رؤوسهم، فالاقتراب من الكلمة آنذاك كان عبوراً فوق جمرٍ مشتعل.
عمل مراسلاً لعدد من الصحف منها جريدة “الاتحاد”، وجريدة “الإعلام” الصادرة عن كلية الآداب، ثم انتقل إلى جريدة “نبض الشباب” مرسلاً لها في كربلاء عام 1998، وهناك بدأت الحكاية تتخذ مساراً أكثر قسوة.
امتلك الشرهاني شخصية صريحة، وروحاً لا تجيد الانحناء أمام الخوف، فصار تحت المراقبة والمتابعة الأمنية بسبب آرائه وتحركاته ونشاطه المهني. كانت البلاد يومها تعيش تحت سلطة الأجهزة التي جعلت من الصمت قانوناً غير مكتوب، ومن الرهبة أسلوباً لإدارة حياة الناس.
ثم جاءت اللحظة التي انفتحت فيها أبواب المحنة على مصاريعها.
اقتيد الصحفي الشاب من داخل مبنى نقابة الصحفيين العراقيين/ المركز العام في واقعة تركت أثراً عميقاً في نفسه. كانت لحظة تختصر صورة مرحلة كاملة؛ عيون تراقب بصمت، ووجوه شاحبة تخشى السؤال، وأرواح أرهقها الخوف حتى صار الصمت ملاذاً وحيداً.
دخل الشرهاني دهاليز التحقيق وأقبية القسوة في زمن ارتبط فيه اسم عدي صدام بسطوة البطش والنفوذ الأمني والإعلامي. هناك تلقى صنوفاً من الضغوط والمظالم، وتعرّض لمحنة قاسية ارتبطت باتهامات تتعلق بالإساءة إلى رموز السلطة آنذاك، فدفع ثمناً باهظاً لجرأة لم تكن مألوفة في تلك السنوات الثقيلة.
كانت التجربة أشبه بعاصفة حاولت اقتلاع ما في داخله من إيمان بالكلمة، غير أن بعض الرجال تخرجهم المحن أكثر صلابة، وتعيد صياغتهم بصورة أخرى. خرج من تلك المرحلة حاملاً ندوبها في الذاكرة، وحاملاً معها درساً عميقاً: أن للكلمة ضريبة، وأن طريقها لا يُفرش دائماً بالورود.
ثم تبدلت الأزمنة، وجاء عام 2003، فانفتح باب جديد في مسيرة الرجل. عاد إلى العمل الإعلامي بطاقة مضاعفة، وكأن السنوات أرادت أن تعوضه عمّا مضى.
كانت محطته الأولى في جريدة “المؤتمر” محرراً ومديراً لمكتبها في كربلاء المقدسة، ثم انتقل إلى جريدة “الدستور”، وبعدها أخذ يخط مشروعه الإعلامي الخاص.
أسس جريدة “الإعلام العراقي” الورقية، وتولى رئاسة تحريرها منذ انطلاقها، لتتحول مع مرور الأعوام إلى منصة إعلامية مستمرة الحضور حتى عام 2026 عبر واجهات إلكترونية وإصدارات صحفية متجددة.
وفي مرحلة إعادة بناء الإعلام العراقي، كان للشرهاني حضور بين مجموعة من الأسماء الإعلامية والأكاديمية التي ساهمت في وضع اللبنات الأولى لتجارب إعلامية مؤثرة بعد عام 2004، إلى جانب شخصيات معروفة من بينها الدكتور جورج منصور، والدكتور كاظم الركابي، والسيد حبيب الصدر، والأستاذ المفكر محمد عبد الجبار الشبوط وآخرون.
أما على المستوى العلمي والمهني والأكاديمي ، فقد نال شهادة البكالوريوس في اللغة والان طالب دراسات عليا ، ويعمل حالياً في وزارة التربية بصفة تدريسي اختصاص اللغة العربية ، كما حصل على شهادة الامتياز من جامعة أهل البيت عام 2006 محرِزاً المرتبة الثانية على دورته، إلى جانب عشرات كتب الشكر والتقدير والشهادات المهنية.
وتعددت عضوياته ومسؤولياته في مؤسسات ونقابات عراقية وعربية، فما يزال عضواً بارزاً في نقابة الصحفيين العراقيين، ونقابة الفنانين العراقيين، وجمعية التشكيليين العراقيين، وجمعية الخطاطين العراقيين، وتولى رئاسة المؤسسة الوطنية للصحافة والنشر والإعلام، ورئاسة منظمة إعادة وتطبيع العلاقات الدولية.
ورغم ما حملته الرحلة من تقلبات وعواصف، بقي الرجل قريباً من الناس، يحمل تواضعاً يشهد به من عمل معه، وأدباً رفيعاً يذكره زملاؤه، وروحاً تميل إلى العون والمشورة ومد يد المساعدة.
هكذا تمضي سيرة تيمور الشرهاني؛ حكاية رجل لم تعبره الأيام عبوراً عابراً، فقد مرّت فوق كتفيه أثقال مرحلة كاملة، وترك الزمن على جدران ذاكرته آثاراً تشبه آثار المطر على أبواب المدن القديمة، ثم مضى يحمل قلمه كما يحمل المسافر مصباحه في آخر الطريق.




التعليقات